الشيخ محمد رشيد رضا
55
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مرارا فأهمته نفسه ودعا بالمعزمين فخضروا وأحضروا معهم رجالا ونساء وزعموا ان فيهم مجانين وأصحاء ، فأمر بعض رؤسائهم بالعزيمة فعزم على رجل منهم زعم أنه كان صحيحا فجن وتخبط وهو ينظر اليه وذكروا له ان هذا غاية الحذق بهذه الصناعة إذ اطاعته الجن في تخبيط الصحيح ، وانما كان ذلك من المعزم بمواطأة منه لذلك الصحيح على أنه متى عزم عليه جنن نفسه وخبط ، فجاز ذلك على المعتضد فقامت نفسه منه وكرهه ، الا أنه سألهم عن أمر الشخص الذي يظهر في داره فمخرقوا عليه بأشياء علقوا قلبه بها من غير تحصيل لشيء من امر ما سألهم عنه فامرهم بالانصراف وأمر لكل واحد منهم ممن حضر بخمسة دراهم . ثم تحرز المعتضد بغاية ما أمكنه وأمر بالاستيثاق من سور الدار حيث لا يمكن فيه حيلة من تسلق ونحوه وبطحت في أعلى السور خواب لئلا يحتال بالقاء المعاليق التي يحتال بها اللصوص « ثم لم يوقف لذلك الشخص على خبر الا ظهوره له الوقت بعد الوقت إلى أن توفي المعتضد وهذه الخوابي المبطوحة على السور ، وقد رأيتها على سور الثريا التي بناها المعتضد فسألت صديقا لي كان قد حجب للمقتدر باللّه عن أمر ذلك الشخص وهل تبين أمره ؟ فذكر لي انه لم يوقف على حقيقة هذا الامر الا في أيام المقتدر ، وان ذلك الشخص كان خادما أبيض يسمى ( يقق ) وكان يميل إلى بعض الجواري اللاتي في داخل دور الحرم ، وكان قد اتخذ لحى على ألوان مختلفة ، وكان إذا لبس بعض تلك اللحى لا يشك من رآه انها لحيته ، وكان يلبس في الوقت الذي يريده لحية منها ويظهر في ذلك الموضع وفي يده سيف أو غيره من السلاح حيث يقع نظر المعتضد فإذا طلب دخل بين الشجر الذي في البستان أو في بعض تلك الممرات أو العطفات ، فإذا غاب عن أبصار طالبيه نزع اللحية وجعلها في كمه أو حزنه « 1 » ويبقى السلاح معه كأنه بعض الخدم الطالبين للشخص ولا يرتابون به ويسألونه هل رأيت في هذه الناحية أحدا فانا قد رأيناه صار إليها ؟ فيقول ما رأيت أحدا . وكان إذا وقع مثل هذا الفزع في الدار خرجت الجواري من داخل الدور إلى هذا الموضع فيرى هو تلك
--> ( 1 ) الحزة بالضم الحجزة وهي من الإزار معقده ومن السراويل ما تكون فيه التكة وهي معقده أيضا وفي كل منهما مخبأ للدراهم ونحوها